العالم

حاكم تكساس يشن حرباً على الشريعة الإسلامية ويحول الخوف إلى سياسة ممنهجة

كيف تحولت الشريعة إلى فزاعة انتخابية في الخطاب الأميركي الحديث

في زمن يزدحم بالضجيج السياسي. وتكثر فيه الحملات الدعائية. أصبح الخوف سلعة رائجة. وبالتالي. يُعاد توجيه الرأي العام عبر عناوين مثيرة. ولكن. خلف كل عنوان. توجد حقيقة أخرى.

حاكم تكساس غريغ أبوت. لم يبدأ معركة قانونية حقيقية. بل بدأ حملة رمزية. تهدف إلى إثارة الريبة. ثم زرع القلق. ثم توسيع دائرة الشك. وهكذا. تحوّلت الشريعة الإسلامية إلى مادة خطابية. وليست قضية قانونية.

هذا التصرف لم يستند إلى وقائع. ولم يعتمد على أدلة. ومع ذلك. اكتسب زخماً إعلامياً. وبالتالي. سيطر على المشهد السياسي في الولاية.

ومع أن الواقع مختلف تماماً. فإن الصورة المرسومة للجمهور بدت مرعبة. وكأن خطراً خفياً يهدد المجتمع. بينما الحقيقة أبسط بكثير.


خلفية الدعوة إلى التحقيق

في التاسع عشر من نوفمبر. أعلن غريغ أبوت عن فتح تحقيق. بحجة وجود ما سماه محاكم للشريعة. غير أن هذه الدعوة. لم تستند إلى أي شكاوى موثقة. ولم تعتمد على بلاغات قانونية.

بل على العكس تماماً. لم تُقدم أي جهة دليلاً ملموساً. ومع ذلك. تحولت الدعوة إلى حدث وطني.

لا توجد محاكم شريعة في تكساس. بل توجد هيئات تحكيم دينية طوعية. وهذه الهيئات. تعمل ضمن الإطار القانوني العام. وتماثل ما لدى اليهود والمسيحيين.

وبالتالي. لم تكن المشكلة قانونية. بل كانت خطابية فقط.

أبوت. كتب رسالة رسمية. طالب فيها وكلاء النيابة بالتحقيق. لكنه استخدم لغة استفزازية. فربط اللباس الديني بعدم احترام الحضارة الغربية. وهكذا. أسس لمفهوم الخطر الوهمي.


تصعيد سياسي متعمد

قبل إعلان التحقيق بيوم واحد. أصدر أبوت أمراً تنفيذياً جديداً. صنف فيه مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية. كمنظمة إرهابية أجنبية. مع أن المجلس منظمة مدنية معترف بها.

ولم يكن القرار مبنياً على جرائم. ولا على أعمال عنف. بل كان قراراً خطابياً بحتاً. ولذلك. رد القانونيون سريعاً.

في النظام الدستوري الأمريكي. لا يملك الحاكم سلطة تصنيف المنظمات الأجنبية. بل هذه الصلاحية حصراً للحكومة الفيدرالية. ولذلك. بدا القرار فاقداً للقيمة القانونية.

لكن الهدف لم يكن القانون. بل الرسالة. والرسالة كانت واضحة. وهي زرع الخوف من المسلمين ومؤسساتهم.

وهكذا. تحوّلت المشاركة المدنية. إلى تهمة ضمنية. وتحولت الحقوق الدستورية. إلى موضع شك.


استخدام الشريعة كرمز للخطر

الشريعة. في الخطاب السياسي الغربي. لم تُستخدم كمفهوم ديني. بل استخدمت كرمز للخوف. ومع مرور الوقت. أصبحت الكلمة وحدها تكفي لإثارة الريبة.

في أواخر العقد الأول من الألفية. ظهرت حملات منظمة. قادها نشطاء معروفون. وروجت فكرة القوانين المناهضة للشريعة. وتمت صياغة مشاريع قوانين متعددة.

أكثر من أربعين ولاية. درست قوانين تحظر القانون الأجنبي. لكن المقصود كان الشريعة فقط.

وفي أوكلاهوما. صادق السكان على تعديل دستوري. يمنع الشريعة والقانون الدولي. لكن المحكمة الفيدرالية. أوقفت القرار لاحقاً.

وهذا يؤكد أن القضية لم تكن قانونية. بل سياسية ثم شعبوية.


تكساس مرة أخرى تحت المجهر

قبل إعلان أبوت الأخير. استُهدف مشروع سكني في تكساس. قاده مستثمرون مسلمون. وجرى وصفه بأنه مستعمرة شريعة. ولكن الواقع كان مغايراً.

المشروع كان مفتوحاً لجميع السكان. ولم يفرض أي طابع ديني. وهدفه كان حل أزمة الإسكان لا أكثر. ورغم ذلك. فتحت وزارة العدل تحقيقاً.

وفي يونيو. لم تجد أي مخالفات. فأغلق الملف. ومع ذلك. في سبتمبر. أقر أبوت قانوناً يحظر ما سماه مستوطنات الشريعة.

وهكذا. تحول الوهم إلى قانون. ثم أصبح الخيال سياسة.


أمثلة من ولايات أخرى

في تينيسي. حاول معارضو مسجد جديد. إنكار صفة الدين عن الإسلام. وبالتالي. طالبوا بعدم حمايته دستورياً. رغم خطورة هذا الطرح.

وفي ديربورن في ولاية ميشيغان. انتشرت شائعات كاذبة. تفيد بوجود حكم شريعة كامل. وانتشرت فيديوهات مزورة. تدعم هذا الوهم.

رغم أن التحقيقات الصحفية. فندت هذه المزاعم. إلا أن الشائعات استمرت. لأن الخوف ينتشر أسرع من الحقيقة.

حتى الانتخابات. لم تسلم من هذا الخطاب. فقد تعرض السياسي المسلم زهران ممداني. لحملة تشويه. فقط بسبب هويته الدينية.

مع أن برنامجه لا يحتوي على أي مرجعية دينية. إلا أن الاتهام كان جاهزاً. وهو نشر الشريعة بطرق ملتوية.


الإطار الليبرالي المتردد

لم يكن المحافظون وحدهم من غذى هذا الخطاب. بل حتى بعض الصحف الليبرالية. استخدمت المفردات نفسها. وإن بطريقة غير مباشرة.

حين يُوصف الإسلام بأنه غريب. أو مناقض للقيم. فهذا يرسخ خطاب الإقصاء. حتى لو نُفيت النوايا العدائية.

وهكذا. تصبح الفكرة المغلوطة مشروعة. فقط لأن الجميع يكررها بصيغ مختلفة.


الجذور التاريخية للشريعة

في أصل اللغة العربية. تعني الشريعة الطريق إلى الماء. وهو رمز الحياة والنقاء. ومعنى أعلى من مجرد قوانين جامدة.

الشريعة. في جوهرها. تهتم بالعدالة. ثم كرامة الإنسان. ثم حفظ النفس والعقل والمال والدين.

ولذلك. وضعت مقاصد واضحة. تهدف إلى حماية المجتمع. وليس السيطرة عليه.

كما اعتمدت أدوات مرنة. مثل العرف والمصلحة والاستحسان. وهي آليات تشبه القوانين الوضعية الحديثة.

وقد أشار باحثون غربيون. إلى وجود تشابه فعلي. بين القانون الإسلامي والقانون الإنجليزي القديم. خاصة في مسائل التعاقد والمرافعة.

حتى مبنى المحكمة العليا الأمريكية. حمل رمزية واضحة. حين وُضع النبي محمد ضمن أعظم مشرعي التاريخ. وهذا دليل على الاحترام التاريخي.

لكن اليوم. أصبحت تلك الحقيقة منسية. أو يتم تجاهلها عمداً.


تسليح الخوف في العصر الحديث

المشكلة الحقيقية. ليست في النصوص الدينية. بل في توظيف الخوف. وتحويله إلى أداة سياسية.

عندما يشارك المسلم في السياسة. يُتهم. وعندما يبني مجتمعاً. يُراقب. وعندما يطالب بحقوقه. يُشكك فيه.

وهذا يعكس أزمة أعمق. وهي صراع الهوية في أمريكا الحديثة. حيث تتغير التركيبة السكانية بسرعة.

وبالتالي. يشعر البعض بالتهديد. فيبحث عن عدو رمزي. ليبرر قلقه.

وفي هذه الحالة. أصبحت الشريعة هي الرمز.


خاتمة تحليلية

لا يوجد خطر حقيقي اسمه محاكم الشريعة في أمريكا. ولكن يوجد خطر آخر أعظم. وهو تحويل فئة كاملة. إلى موضع اتهام دائم.

الخطر الحقيقي. هو استخدام السلطة لنشر الريبة. والتوظيف السياسي للهوية الدينية. والتحكم في العقول عبر التخويف.

إذا كانت هناك معركة. فهي ليست بين القانون والدين. بل بين الحقيقة والدعاية. وبين العدالة والخوف.

وستبقى الشريعة. كما كانت دوماً. طريقاً للمعنى والعدالة. لا أداة للرعب السياسي.

اقرأ كذلك: المقامرة النووية بين روسيا وأمريكا: اللحظة التي كادت تغيّر مصير العالم وتعود اليوم بثوب جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك يجب ايقاف مانع الاعلانات