الخريطة الأميركية التي تعيد رسم مستقبل الوجود الإسرائيلي في غزة
رؤية البيت الأبيض بين الانسحاب المتدرج والحزام الأمني الدائم في القطاع
منذ أن كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خريطتها الجديدة بشأن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة، عاد الجدل الإقليمي والدولي حول شكل المرحلة المقبلة في القطاع. وتزامن نشر هذه الخريطة مع لحظة سياسية حساسة. إذ جاء الإعلان عنها بينما تدور نقاشات متزايدة حول ملامح الأمن والانسحاب وإعادة تنظيم السيطرة الميدانية. وبينما يدور النقاش حول قابلية هذه الخطة للتنفيذ. فإن الخريطة لم تقدم مجرد تصور جغرافي. بل عرضت كذلك رؤية سياسية وأمنية تمتد لسنوات. ولذلك أصبحت الوثيقة الجديدة مادة للنقاش داخل دوائر البحث والدبلوماسية والإعلام. لأنها محاولة أميركية لرسم مسار ميداني جديد قد يغيّر مستقبل غزة بالكامل.
وتكشف الخريطة تقسيمات دقيقة لنطاقات انتشار القوات الإسرائيلية. كما ترسم ممرات انسحاب مرحلية. وتعرض تصورًا أميركيًا يقول إن المسار يبدأ من الوضع الراهن ثم ينتهي إلى منطقة آمنة تحت سيطرة إسرائيل على أطراف القطاع. ولذلك ينظر العديد من المحللين إلى هذه الخريطة بوصفها إحدى أكثر الوثائق الأميركية إثارة للنقاش منذ سنوات.
الملامح الأساسية للخريطة الأميركية
تبدأ الخريطة بعرض الوضع الراهن. إذ تُظهر أن نحو 20% فقط من مساحة قطاع غزة تعد مناطق غير خاضعة للوجود العسكري الإسرائيلي. ويعني ذلك أن النسبة الأكبر من القطاع لا تزال داخل نطاق السيطرة المباشرة أو غير المباشرة للقوات الإسرائيلية. لذلك تقدم الخطة الأميركية سلسلة مراحل متتابعة تهدف إلى رفع هذه النسبة تدريجيًا.
وتستخدم الخريطة نطاقات لونية لتوضيح درجة السيطرة العسكرية. إذ تمثل الألوان الثلاثة مراحل الانسحاب. وتمثل كذلك المناطق التي ستبقى ضمن الحزام الأمني الذي تصفه الوثيقة بأنه ضروري لضمان أمن إسرائيل. ولذلك تبرز الخريطة بوضوح أن الرؤية الأميركية لا تقوم على انسحاب شامل. بل على انسحاب محسوب ومشروط.
تفاصيل المراحل الثلاث للانسحاب
تعرض الخريطة مراحل الانسحاب بصورة تدريجية تبدأ من شمال القطاع ثم تمتد جنوبًا. إذ تمثل المرحلة الأولى رفع نسبة المناطق غير المحتلة إلى 45%. وهذه المرحلة تعد بداية الطريق. لأنها تختبر قدرة الوضع الأمني على التحسن وفق تصور الخطة.
وتنتقل الخطة إلى المرحلة الثانية. إذ يُفترض أن تصل نسبة المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية إلى 63%. وتُظهر الخريطة أن هذه المرحلة ستشمل مناطق حضرية مهمة. ولذلك يرى محللون أنها المرحلة الأكثر حساسية، لأنها ترتبط بمراكز سكانية كبيرة.
ثم تأتي المرحلة الثالثة. إذ ترفع نسبة الانسحاب إلى 82% من مساحة القطاع. وتعتبر هذه المرحلة الأكثر تقدمًا. لأنها تقود إلى شكل جديد من السيطرة الميدانية. إذ تبقى إدارة المنطقة، وفق تصور الخريطة، ضمن نطاق الحزام الأمني الذي سيظل تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. ولذلك لا تتحدث الخطة عن انسحاب كامل. بل تشير إلى انسحاب مع بقاء سيطرة أمنية.
المسار الجغرافي للانسحاب عبر القطاع
وفق الخريطة، يبدأ الانسحاب من مناطق الشمال. إذ تعد مدينة غزة نقطة محورية في هذه العملية. لأنها الممر الرئيسي للانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية. ولذلك يظهر في الخريطة أن المدينة ستشهد تغييرات كبيرة في توزيع القوات.
ويمتد المسار بعدها نحو الجنوب. إذ تمر الخريطة عبر خان يونس. وهي مدينة ذات كثافة سكانية عالية. كما تمثل عقدة ميدانية مهمة. ولذلك ترتبط هذه المرحلة بجدل واسع حول إمكانيتها.
وتصل الخطة إلى رفح قرب الحدود المصرية. وهنا تبرز عقدة أخرى. لأن رفح ترتبط بالحدود مع مصر. وترتبط كذلك بالأنفاق السابقة والمعابر. ولذلك يظهر في الخريطة أن التعامل مع رفح سيكون جزءًا أساسيًا من العملية. لأنها تمثل نقطة نهاية المسار المرحلي.
الحزام الأمني المقترح شرق القطاع
توضح الخريطة أن هناك حزامًا أمنيًا سيمتد على طول الحدود الشرقية بين غزة وإسرائيل. ويبلغ عرض هذا الحزام حوالي 18% من مساحة القطاع. وهذا الحزام سيبقى، وفق الخطة، تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
ويصف البيت الأبيض هذا الحزام بأنه ضرورة أمنية. إذ يشير إلى أنه سيظل قائمًا “حتى التأكد من أن غزة أصبحت آمنة من أي تهديد مسلح جديد”. لذلك لا يتحدث النص عن مدة زمنية محددة. بل يستخدم صياغات مفتوحة. ولذلك يرى محللون أن الحزام الأمني سيظل لسنوات طويلة.
ويمثل الحزام الأمني محورًا رئيسيًا للخلاف بين الأطراف. لأن بقاءه يعني بقاء سيطرة أمنية إسرائيلية داخل غزة. ولذلك يعد هذا العنصر من أكثر عناصر الخريطة إثارة للجدل. لأنه يجعل الحديث عن انسحاب كامل أمرًا مستبعدًا.
الخطة الأميركية بين النظرية والتطبيق
مع أن الخريطة تقدم تصورًا مفصلًا. إلا أنها لم تقدم آليات تنفيذ واضحة. ولذلك يصف العديد من الباحثين الخطة بأنها إطار نظري. لأنها تقدم خريطة دون تقديم أدوات التنفيذ.
كما لم تحدد الوثيقة موقف الأطراف الفلسطينية. ولم تتناول شكل الإدارة المدنية بعد الانسحاب المرحلي. ولذلك تبدو الخطة ناقصة من حيث التفاصيل الحاكمة. لأنها ترسم مسارًا عسكريًا دون توضيح المسار السياسي.
وتشير وثائق مرافقة للخريطة إلى أن التنفيذ يعتمد على “استقرار الوضع الميداني”. وهذا الشرط يجعل الخطة قابلة للتأجيل. ويجعل تنفيذها مرهونًا بظروف غير محددة.
توزيع الكتل السكانية داخل الخريطة
أحد العناصر التي تعرضها الخريطة هو توزيع المناطق السكانية الرئيسية. إذ تُظهر مدينة غزة شمالًا باعتبارها منطقة ذات كثافة كبيرة. وتظهر كذلك خان يونس وسط القطاع. ورفح جنوبًا.
وتعرض الخريطة أن المناطق السكانية الكبرى ستشهد تغيرات كبيرة إذا طبقت الخطة. ولذلك يرى متخصصون أن إدارة المدن بعد الانسحاب ستكون معقدة. لأن هذه المناطق تمثل مواقع حساسة ترتبط بالخدمات والبنية التحتية.
كما أن الخريطة تقدم تقسيمات مبنية على الألوان أكثر من كونها مبنية على المعطيات الاجتماعية. ولذلك يخشى البعض أن تؤدي هذه الخطة إلى فراغ إداري في بعض المناطق. لأنها تعتمد على منطق الانسحاب الميداني دون معالجة الواقع المدني.
البعد السياسي للخطة
تأتي هذه الخطة في سياق محاولات أميركية لرسم مستقبل غزة. ولذلك ينظر البعض إليها باعتبارها امتدادًا لتوجه إدارة ترامب في التعامل مع ملفات المنطقة. إذ تعتمد الإدارة على الخرائط. وتعتمد كذلك على إعادة رسم الحدود.
وتسعى الإدارة الأميركية إلى تقديم رؤية تساعد إسرائيل على تخفيف وجودها داخل القطاع. ولكنها تسعى كذلك إلى ضمان أمنها من خلال الحزام الأمني. ولذلك يرى منتقدون أن الخطة تقدم انسحابًا شكليًا. بينما تبقي السيطرة بطرق غير مباشرة.
كما أن الخطة تتجاهل دور الأطراف الفلسطينية. إذ لم تتحدث عن موقع الحكومة الفلسطينية. ولم تتحدث عن دور الفصائل. ولذلك يرى مراقبون أن الخطة ستحتاج إلى تعديل كبير قبل تنفيذ أي جزء منها.
ردود الفعل المتوقعة على الخريطة
من المتوقع أن تثير الخطة رفضًا واسعًا داخل الأوساط الفلسطينية. لأنها تبقي السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع. وحتى لو انسحبت القوات من بعض المناطق. فإن الحزام الأمني سيظل قائمًا.
ومن المتوقع كذلك أن تثير نقاشًا داخل المؤسسات الدولية. لأن الخطة تقدم انسحابًا مرحليًا دون معالجة الأساس السياسي للصراع. ولذلك قد تجد الخطة نفسها في مواجهة اعتراضات دبلوماسية.
أما على المستوى الإقليمي. فقد تثير الخريطة مخاوف مصرية بشأن وضع رفح. وقد تثير كذلك تساؤلات حول مستقبل الحدود. ولذلك ستحتاج واشنطن إلى مشاورات موسعة قبل أي خطوة عملية.
الخريطة بوصفها رؤية مستقبلية
تقدم الخطة الأميركية تصورًا جديدًا لمستقبل غزة. إذ تعرض رؤية تقوم على الانسحاب التدريجي. ولكنها تبقي سيطرة أمنية إسرائيلية داخل القطاع. ويجعل هذا النموذج الخطة خليطًا بين الانسحاب والبقاء.
وتقدم الخطة كذلك إعادة رسم للحدود الداخلية داخل غزة. إذ تفصل بين مناطق كثيفة ومناطق أقل كثافة. ولذلك ترى بعض مراكز الدراسات أن الخطة قد تغيّر شكل غزة الإداري.
ومع أن الخطة تبدو شاملة. إلا أنها تفتقر إلى رؤية سياسية. ولذلك قد تبقى مجرد وثيقة للنقاش. لأنها لا تُظهر كيف سيُدار القطاع بعد الانسحاب.
خاتمة تحليلية
تكشف الخريطة الأميركية عن رؤية عسكرية وسياسية معقدة. فهي لا تتحدث عن انسحاب كامل. بل تقدم انسحابًا مرحليًا. وتبقي حزامًا أمنيًا واسعًا. ولذلك تفتح الخريطة بابًا كبيرًا للنقاش حول مستقبل غزة. إذ تقدم تصورًا يقول إن إسرائيل ستنسحب من بعض المناطق. ولكنها ستبقى في مناطق أخرى لضمان أمنها.
وتبقى الخطة، رغم أنها مفصلة ميدانيًا، مجرد تصور نظري. لأنها تفتقر إلى التفاصيل بشأن التنفيذ والإدارة. ولذلك من المتوقع أن تبقى الخريطة إطارًا للنقاش. وأن تحتاج إلى تعديلات واسعة قبل أن تصبح قابلة للتطبيق.
اقرأ كذلك: 5 أسئلة تكشف أعمق أبعاد قرار مجلس الأمن بشأن غزة. قراءة تحليلية شاملة