قناع جديد لفرض السيطرة على غزة بقرار مجلس الأمن
كيف يُعاد تشكيل قطاع غزة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا خلف خطاب السلام والإعمار
قناع جديد لفرض السيطرة على غزة بقرار مجلس الأمن … يظهر قرار مجلس الأمن رقم 2803 حول غزة كخطوة دولية تبدو متوازنة، كما يبدو للوهلة الأولى أنه يسعى لإنهاء حالة التوتر الممتدة، ولكن عند قراءة تفاصيله الداخلية تتكشف ملامح مشروع مختلف تمامًا، فالنص لا يعالج جذور الأزمة بل يعيد إنتاج أدواتها بصيغة جديدة، ومن هنا يظهر مفهوم السيطرة على غزة بغطاء قانوني دولي، وبالتالي يتحول الفشل العسكري إلى مكسب سياسي منظم، كما يغلَّف هذا المكسب بخطاب سلام وإنقاذ وإعمار، لكن في العمق يتم تثبيت واقع سياسي وأمني جديد، ثم يربط القرار هذا الواقع بإعادة الهيكلة والإدارة الدولية، وبذلك يغيب الاحتلال خلف عناوين التنمية والاستقرار.
شرعنة دولية لمسار أمريكي قديم
منذ البداية يرحب القرار بما يسمى خطة السلام الشاملة، ثم يثني على إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهنا تتضح الملامح الحقيقية للمسار المقترح، فالخطة ليست جديدة بل يعاد تدويرها بصياغة أممية، كما تُقدَّم الخطة كإطار دولي ملزم، بينما هي في الواقع رؤية أمريكية إسرائيلية مشتركة، وبذلك تتحول خطط أحادية إلى مشروع شرعي أمميًا، وهذا يمنح السيطرة على غزة مشروعية إضافية، ثم ينتقل النص من الترحاب إلى التوجيه والتنفيذ، وبالتالي يتحول القرار من توصية إلى خارطة إلزامية، وهو ما يفتح المجال لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقطاع.
تشخيص مضلل يعيد إنتاج الرواية الإسرائيلية
يعرف القرار قطاع غزة كمصدر تهديد إقليمي، كما يصوره كعامل زعزعة لأمن الدول المجاورة، لكن هذا التشخيص يتجاهل سياق الاحتلال الطويل، كما يغفل الحصار الممتد والعمليات العسكرية المتكررة، وبدلا من تسمية المشكلة باسمها الحقيقي يتم تغيير المصطلحات، فيستبدل مفهوم الاحتلال بكلمة نزاع، ويستبدل مفهوم الاستعمار بكلمة توتر، وبهذا التغيير اللغوي تتغير طبيعة الرواية بالكامل، وهنا يبدأ تأسيس صورة جديدة للصراع، صورة تساوي بين الطرف المعتدي والطرف المعتدى عليه، كما تذيب الفارق بين القوة المسيطرة والشعب الواقع تحتها، وهكذا تتقدم السيطرة على غزة في ثوب محايد، لكنها في الحقيقة امتداد مباشر لسياسات سابقة.
الإعمار كبديل عن التحرير
يتحدث القرار مطولًا عن إعادة الإعمار، كما يتوسع في وصف مشاريع التطوير والبنية التحتية، ولكنه يتجاهل أصل الدمار ومن تسبب به، فكأن المشكلة هندسية فقط، وكأن إعادة بناء المباني تكفي لبناء العدالة، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، إعادة الإعمار لا تعني شيئًا دون إنهاء السيطرة العسكرية، كما أن التنمية لا يمكن أن تولد في ظل الحصار، وبالتالي تتحول مشاريع الإعمار إلى شكل منزوع المضمون، وهنا تصبح السيطرة على غزة شرطًا مسبقًا للاستثمار، ويصبح الأمن الإسرائيلي أساس أي تمويل، ثم تأتي حياة الفلسطيني في المرتبة الثانية، وهذا الترتيب يكشف جوهر المشروع الحقيقي.
وصاية دولية بدل تقرير المصير
يعلن القرار قبول الأطراف بالخطة المطروحة، لكنه لا يحدد من هي هذه الأطراف بدقة، ولا يسأل الشعب الفلسطيني عن رأيه الحقيقي، كما يستبدل مفهوم تقرير المصير بوصاية منظمة، ويتحول الفلسطيني من صاحب أرض إلى متلقٍ للمساعدات، وينتقل من صانع قرار إلى طرف خاضع للإدارة، ثم تُفرض عليه لجنة تكنوقراطية غير سياسية، وتخضع هذه اللجنة لمجلس فوقي اسمه مجلس السلام، وهذا المجلس يمتلك صلاحيات شاملة، وهكذا يعاد إنتاج نماذج الانتداب القديمة، ولكن بلغة حديثة عن الحوكمة والإدارة، ومن خلال ذلك تتكرس السيطرة على غزة بصيغة قانونية ناعمة.
غزة كفرصة استثمارية بلا سيادة
في نص القرار تتحول غزة إلى مشروع اقتصادي، ولا تذكر فيها مفردات المقاومة أو التحرير، بل يستبدل كل ذلك بمصطلحات الاستثمار والتطوير، يحدثون عن منطقة اقتصادية خاصة، ويغيب الحديث عن حدود وسيادة، وكأن غزة شركة وليست وطنًا، ثم تستبدل الهوية الوطنية بهوية سوقية، ويتحول الشعب إلى قوة عمل رخيصة، بينما تدار المشروعات من الخارج، وهنا تتجسد السيطرة على غزة اقتصاديًا، فلا قرار سيادي ولا إنتاج مستقل، بل تبعية كاملة للنظام الجديد.
شروط غامضة تتحكم فيها القوى الكبرى
يربط القرار أي تقدم فلسطيني بشروط مرنة وغامضة، مثل إصلاح المؤسسات وتطوير الإدارة، ولكن دون تحديد معايير واضحة، وهذا الغموض يفتح باب التحكم والتأويل، كما يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل سلطة التفسير، وبذلك تصبح الحقوق مؤجلة إلى أجل غير معلوم، ويمر الوقت وتتآكل المطالب، ويعتاد الناس على الواقع الجديد، ثم تتحول الحالة المؤقتة إلى دائمة، لتظل السيطرة على غزة قائمة على شروط مفتوحة.
إعادة إنتاج نموذج أوسلو بغطاء جديد
يتكرر منطق أوسلو التاريخي من خلال إعادة إنتاج نموذج “الإدارة الانتقالية” الذي مزق القضية الفلسطينية داخليًا، وسمح للاحتلال بتوسيع الاستيطان وترسيم الوقائع من طرف واحد، كما يعزل القرار السلطة الفلسطينية عن الخطة إلى حين تحقيق شروط الإصلاح المبهمة، ويستبعد حماس والفصائل من المجال السياسي ويمنع مشاركتهم في أي شكل من أشكال الحكم، ما يعني عمليًا أن الإرادة الوطنية الفلسطينية مستبعدة لصالح تحالف دولي-إقليمي يملك المال والسلاح والشرعية.
الهندسة المؤسسية لمجلس السلام
يقوم القرار بإنشاء “مجلس السلام” ليكون السلطة الحاكمة الفعلية على غزة، يمتلك صلاحيات واسعة تشمل الأمن والمال والإدارة، ويشرف على لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير سياسية، ويقلص صلاحياتها إلى تقديم الخدمات والإدارة اليومية، أما القرارات السيادية فتظل تحت سيطرة المجلس، ويشمل ذلك مراقبة نزع السلاح وإعادة تنظيم القطاع، بحيث تتحول غزة إلى مشروع تابع، وتفرض السيطرة على غزة بصيغة مؤسسية كاملة.
تغيير الوعي الثقافي والتربوي
يشمل القرار إنشاء “مسار للحوار بين الأديان” قائم على قيم التسامح والتعايش، بهدف إعادة تشكيل العقليات، بحيث يتحول خطاب المقاومة إلى خطاب أمني، ويتكيف الفلسطيني مع واقع الاحتلال كمسار للتسامح، وهذا يمثل جزءًا من هندسة السيطرة على غزة في البعد النفسي والثقافي، مع تغييب أي محتوى وطني أو تحرري في المناهج والمشاريع الثقافية.
نزع السلاح كشرط أساسي
يتضمن القرار بندًا لنزع السلاح بشكل كامل، حيث تُدمّر البنى التحتية العسكرية، وتخضع كل الأنفاق ومرافق إنتاج السلاح لمراقبة دولية، ويصبح نزع السلاح عملية اجتثاثية قبل أي نقاش عن التحرير أو السيادة، ويجرم فكرة المقاومة نفسها ويعيد تعريف الدفاع عن النفس بوصفه إرهابًا، بينما يغيب أي ذكر لإرهاب الدولة الإسرائيلي، وهنا تصبح السيطرة على غزة مرتبطة بالهيمنة العسكرية المطلقة.
تقسيم غزة واستراتيجية العقاب والمكافأة
يفتح القرار الباب لإعادة تقسيم غزة إلى مناطق “صالحة” وأخرى “خارجة عن القانون”، بحيث تُنفذ مشاريع الإعمار والمساعدات في المناطق المتعاونة أولًا، بينما تترك المناطق الأخرى لعقاب جماعي، ويصبح الحصار أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي والجغرافي، وهكذا تتحقق السيطرة على غزة من خلال الهندسة الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية معًا.
مشاريع ترامب والربط الإقليمي
يربط القرار خطة إعادة الإعمار بخطة ترامب للسلام والتنمية الاقتصادية، بحيث تصبح غزة بوابة اختبار لمشروع “السلام الاقتصادي” الإقليمي، ويُختبر من خلالها نجاح التطبيع والصفقات الإقليمية، ويعكس موقف السلطة الفلسطينية المرحب بالقرار هشاشتها السياسية، حيث يمنح الترحيب غطاء فلسطينيًا رمزيا لتسويق المشروع كمسار سياسي، بينما يظل التحكم الفعلي بيد القوى الكبرى.
الفشل المتوقع وواقع المقاومة
يحمل القرار بذور فشله في طبيعته المتناقضة؛ فهو يعد بالسلام والاستقرار، لكنه يتجاهل أصل الصراع وحق الفلسطينيين في التحرر، ويؤكد على أن أي استقرار مفروض سيكون هدوءً بالقوة وليس عدالة، وبالنسبة للمقاومة، يُقرأ نزع السلاح كدعوة للاستسلام، وهذا سينتج أشكالًا جديدة من المقاومة سرية وعلنية، فالإعمار مرتبط بالتحرير لا ينفصل عنه، وأي مشروع بناء على نزع سلاح المقاومة ووضع غزة تحت وصاية دولية يمثل إعادة إعمار للسجن وليس للشعب.
اقرأ كذلك: 3 شخصيات في الظل صنعت نتنياهو: شقيقه المقتول وجذور الأيديولوجيا النتنياهوية