هناك لحظات يشعر فيها الناس بأن الهواء يثقل. ويشعرون بأن شيئًا غريبًا يتحرك خلف ستار الهدوء. وتتحول الحياة اليومية إلى مسرح لتغيرات لا يمكن تفسيرها بسهولة. ومع ذلك، يستمر الجميع في المراقبة بصمت. ويشعرون بأن هناك عاصفة تقترب من العالم. وتبدو هذه الإشارات واضحة لكل من يراقب التفاصيل بوعي. لذلك تمتلئ الساحة الدولية اليوم بأحداث متلاحقة. كما تتصاعد التوترات بطريقة مقلقة. ويبدو المشهد أشبه بما يسبق التحولات الكبرى في التاريخ.
علامات ما قبل العاصفة
قبل أي عاصفة كبرى تتحرك السماء بطريقة غير مألوفة. ويتغير ضغط الهواء. وتشعر الكائنات باضطراب داخلي. ويفهم العقل الحدسي أن حدثًا ضخمًا يقترب. وهذا ما يحدث بالفعل داخل العالم الآن. فهناك ظواهر جديدة. وهناك أنماط سلوكية مضطربة. وهناك تغيرات اجتماعية تقفز إلى السطح بلا مقدمات. وكلها تشير إلى أن التوتر يتراكم.
يشبه الوضع الراهن شعور الناس قبل انهيار كبير. ويشعر المفكرون بأن الحقبة الحديثة تعيش فترة مشابهة لما كان يحدث قبل الحرب العالمية الثانية. وقد أكّد عدد كبير من علماء الاجتماع هذا التشابه. وأوضحوا أن العالم يعيش الآن ما يشبه مرحلة التخمر السياسي والاجتماعي التي سبقت حروب القرن العشرين.
من الثورة الصناعية إلى الثورة الرقمية
بعد الثورة الصناعية ظهرت موجات هائلة من التوتر. ثم انفجرت هذه الطاقة في حربين عالميتين. واليوم تقف الإنسانية أمام ثورة جديدة. فقد جاءت الثورة الرقمية. ثم جاءت ثورة الذكاء الاصطناعي. وهاتان الثورتان أعادتا تشكيل كل شيء. وتسبب هذا الزلزال التقني في توتر عالمي جديد. ولذلك تتراكم الطاقة اليوم في كل دولة. كما تتسع الفجوات بين الشعوب. وتظهر أزمات غير مسبوقة في تاريخ العالم.
المعادن النادرة… قلب الأزمة الجديدة
أصبحت المعادن النادرة محورا أساسيا للصراع. وتعمل الدول الكبرى على السيطرة عليها. لأنها تشكل العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة. ولذلك تزداد التوترات بين القوى الدولية. ومع ذلك فإن المشكلة لا تتعلق بالمواد الخام فقط. بل تتعلق أيضًا بالمعلومات. فقد أصبح تدفق المعلومات حرًا بشكل غير مسبوق في التاريخ. وأدى ذلك إلى انتشار أفكار غريبة. وصعدت أيديولوجيات غير عقلانية. وظهرت مجتمعات افتراضية تعيش في فقاعة من الهذيان السياسي.
وقد ساهمت المعلومات الموجهة في تضخيم الانقسامات. كما غذّت تيارات متطرفة داخل العالم. ولذلك ظهرت جماعات غير مألوفة. وبرزت حركات مشوشة فكريًا. وكل ذلك يمثل وقودًا جاهزًا لأي انفجار عالمي جديد.
صعود الحركات المتطرفة عبر العالم
شهدت الولايات المتحدة صعود حركة “اجعل أميركا عظيمة مجددًا”. في إيطاليا صعدت “حركة النجوم الخمس”. وفي ألمانيا برزت أحزاب قومية متشددة. اما في تركيا ظهرت جماعة “فتح الله غولن”. وفي إسرائيل تصاعدت الصهيونية العنصرية. وفي أفريقيا انفجرت تنظيمات دينية وعرقية متطرفة.
هذه الأمثلة لا تمثل حالات منفصلة. بل هي إشارات متزامنة تشير إلى تفاعل عالمي مضطرب. وتشير أيضًا إلى أن الإنسانية تتحرك نحو مرحلة أكثر قسوة. ولذلك يعيش العالم حالة من التوتر السياسي والاجتماعي لم تُر منذ عقود.
تدهور الأمن الاجتماعي داخل الدول
تواجه تركيا اليوم انتشارًا ملحوظًا للعصابات الصغيرة. بينما تواجه الولايات المتحدة وأوروبا تراجعًا واضحًا في قدرتها على ضبط تجارة المخدرات. كما تواجه الدول الغربية ظاهرة تهريب البشر. ويشعر الناس بأن انفلات الأمن يتطور بسرعة. وأصبح العنف يتصاعد حتى في المواقف البسيطة. ويظهر ذلك في شجارات المرور. وفي المنازعات اليومية. وفي السلوك العام.
ويعكس هذا السلوك تراكم طاقة خطيرة داخل المجتمعات. كما يعكس شعور الناس بالاحتقان. وهذا الاحتقان يشبه تماما ضغط الهواء قبل الانفجار.
كيف تتراكم الطاقة؟
تتراكم الطاقة عبر الشعور بالظلم. وتراكم الأزمات. واتساع الفوارق الاقتصادية. وتصاعد الصراعات الفكرية. وتفاقم الاحتياجات الجديدة التي خلّفتها الثورة التكنولوجية. ولذلك تشعر الإنسانية بأنها تعيش على حافة صدام جديد. والحروب الكبرى عادة لا تبدأ فجأة. بل تبدأ عندما يصل التوتر إلى الذروة. وقد بدأت هذه الذروة تتشكل أمام أعيننا.
الشركات العملاقة… أمراء الحرب الجدد
تحولت الشركات الكبرى إلى قوة شبه عسكرية. وتسيطر على جزء كبير من العالم الاقتصادي. وتتعامل بعقلية توسعية. وتعتقد أن حرمانها من المعادن الثمينة سيهدد وجودها. ولذلك تضغط على الحكومات. وتدفعها إلى تعزيز النفوذ العسكري. وقد أصبحت المصالح الاقتصادية اليوم مرتبطة بالقوة العسكرية. ولذلك يتجه العالم نحو سباق صراع أكبر.
الولايات المتحدة… والاستراتيجية الجديدة
تملك الولايات المتحدة أكبر جيش في العالم. وتتحرك حاليا على نطاق واسع. وقد نشرت ثلث قواتها على حدود فنزويلا. وتقول إن الهدف هو محاربة المخدرات. لكن الحقيقة تشير إلى رغبة في السيطرة على النفط. كما تضغط على أوكرانيا للحصول على المعادن الثمينة. وقد أعلنت أنها ستوقف بيع الأسلحة إذا لم تستجب كييف. وهذا يعكس توجهًا جديدًا يقوم على الابتزاز السياسي والاقتصادي.
ولم تتوقف واشنطن عند هذا الحد. فهي تنظر إلى غرينلاند وكندا كخزانات موارد مستقبلية. وتشير تحركاتها إلى استراتيجية تستهدف القطب الشمالي والمناطق الغنية بالمواد الخام.
أوروبا… انسحاب من سباق الهيمنة
خسرت أوروبا سباق التكنولوجيا. ولذلك توقفت عن ملاحقة المعادن النادرة. ولم تعد ترغب في الدخول في حروب جديدة. فقد دفعت ثمن العدوان خلال القرن الماضي. وأحرقت العالم في حربين كبيرتين. ولا تريد تكرار ذلك. وتفضل التركيز على الاستقرار الداخلي. لذلك تركت أدوار الهيمنة للولايات المتحدة والصين وروسيا.
الصراع حول تايوان
يشير الصراع حول تايوان إلى المنافسة على صناعة الرقائق الإلكترونية. وتحتكر شركة TSMC نسبة هائلة من تصنيع الرقائق. وتحتاج كل الصناعات الحديثة إلى هذه الرقائق. ولذلك أصبح الصراع حولها صراعًا استراتيجيًا أساسيًا. ويؤكد الخبراء أن العالم سيغرق في فوضى تكنولوجية إذا انهار إنتاج الرقائق.
روسيا… وطموحاتها الجديدة
احتلت روسيا ثلث الأراضي الأوكرانية. ولا تظهر مؤشرات واضحة على نيتها الانسحاب. وتتعامل موسكو بمنطق القوة. وتعتبر أن أوكرانيا جزء من نطاقها التاريخي. ولذلك تتصاعد الأزمة يوما بعد يوم.
عودة سباق التسلح
يتصاعد سباق التسلح العالمي بسرعة. وارتفعت نسبة التسلح خلال السنوات العشر الأخيرة بنسبة 37%. وأنفق العالم نحو 2.7 تريليون دولار على الأسلحة عام 2024. وتدفع هذه الأموال من ميزانيات التعليم. والصحة. والتنمية. ولذلك تتدهور الحياة الاجتماعية. كما تتوسع الفجوة بين الشعوب. ويزداد غضب الناس.
إلى أين تذهب كل هذه الأسلحة؟
السؤال الطبيعي هو: ما مصير هذا السلاح؟ الجواب واضح. فالسلاح يُنتج ليستخدم. ولذلك تتجه القوى الكبرى نحو مواجهات محتملة. وتسعى إسرائيل لتحقيق أهداف ضخمة. وتهاجم عدة دول في محيطها. وتتحرك بدعم أميركي مباشر. وتشارك شركات السلاح الأميركية في رعاية هذه السياسات. لأنها تستفيد من استمرار التوتر.
الصراعات في أفريقيا والشرق الأوسط
تشهد أفريقيا صراعات متزايدة. ويجري التنافس على الثروات الباطنية. ويتكرر هذا المشهد في السودان. والصومال. والعديد من الدول الأخرى. ويبدو أن الصراعات لم تعد سياسية فقط. بل أصبحت اقتصادية بشكل أساسي.
تصاعد العنف الفردي
تتزايد ميول العنف داخل الأفراد. ويرى الخبراء أن الإنسان العصري يعيش ضغطًا نفسيًا جديدًا. وتظهر موجات تحرّض على القسوة في وسائل التواصل الاجتماعي. وتنتشر محتويات تمجّد العنف. وتبالغ في تصوير القوة. ولذلك يشعر الناس بأن استخدام القوة أصبح ضرورة. وهذا مؤشر خطير على مستوى العالم.
تتشكل ثقافة جديدة. ثقافة تهدد الاستقرار. وتدفع الشعوب نحو مواقف متطرفة. ويتحول القادة السياسيون إلى رموز مقدسة. ويعاملهم الناس وكأنهم فوق النقد. وتتحول السياسة إلى ساحة عنف معنوي. وتتحول الخطابات إلى تهديدات مباشرة.
العاصفة تقترب
كل الإشارات تقول إن العاصفة لن تختفي. وستضرب العالم في يوم ما. وقد شرح رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن هذه الفكرة في كتابه “رحلة إلى كوخ هايدغر”. حيث تناول فلسفة مارتن هايدغر. وتحدث عن أزمة الإنسانية بعد الثورة الصناعية. وأكد أن الإنسان تحوّل إلى أداة إنتاج. وفقد المعنى الداخلي. ولذلك يرى هايدغر أن الخروج من هذا المأزق يحتاج إلى “انفتاح جديد”. وهو انفتاح لا تمنحه التكنولوجيا. بل تمنحه تغيّرات تتجاوز إرادة البشر.
العالم يعيش لحظة مشابهة لما قبل العواصف الكبرى. ويشعر الجميع بأن شيئًا يقترب. والشعور العام يقول إن الحقبة القادمة ستكون مختلفة. ويحتاج العالم إلى بداية جديدة. لأن استمرار المسار الحالي سيقود إلى انفجار تاريخي جديد. وربما إلى مرحلة أكثر خطورة من كل ما سبق.