مدونات

الصراع بين الصين وأميركا في المحيط الهادي وسباق النفوذ بين 12 دولة

منطقة تغلي بالتوتر… كيف تغيّر التنافس الصيني الأميركي مستقبل المحيط الهادي؟

يمتد المشهد الجيوسياسي في المحيط الهادي مثل لوحة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة. ويصف مايكل كوفريغ، وهو خبير كندي ودبلوماسي سابق، هذا الامتداد الشاسع من أقصى ألاسكا شمالا. وحتى أعماق الجنوب حيث تقع أستراليا والجزر الصغيرة التي تنثرها الأمواج وسط هذا البحر الواسع.
ويؤكد كوفريغ أن الصراع بين الصين وأميركا لم يعد مجرد منافسة عابرة. بل تحول إلى مواجهة شاملة تعيد رسم ميزان القوى. وقد تسبّب هذا التصاعد في خلط أوراق الدول الصغيرة التي تحاول إيجاد طريقها وسط العاصفة.

ومن جهة أخرى، يرى كوفريغ أن صعود الصين لعب دورا محوريا في تغيير قواعد اللعبة. وأن عودة إدارة ترامب الثانية غيّرت شكل التحالفات. كما أدّت إلى تراجع الاهتمام الأميركي باحتياجات دول الجزر السياسية والاقتصادية. ولذلك أصبحت استدامة هذه المنطقة معلّقة على حافة الخطر.

ويعرض المقال رؤية غربية واضحة حول توسع الصين السريع. ويُبرز كيف تتدفق المنافسة على مناطق تبدو صغيرة لكنها ذات أهمية إستراتيجية هائلة. ومع تصاعد التوترات بين بكين وواشنطن، تبدو جزر المحيط الهادي جزءا من لوحة الصراع الكبرى.


تايوان ليست وحدها نقطة الاشتعال

يركز الإعلام العالمي غالبا على مضيق تايوان باعتباره نقطة الاشتعال الكبرى. ومع ذلك، تتجاوز المخاطر حدود المضيق. إذ تؤثر قرارات دول الجزر في شكل التوازن الإقليمي. ويشمل المشهد 12 دولة مستقلة تقع بين الفلبين وهاواي. وهي دول صغيرة لكنها ذات قوة تأثيرية كبيرة في الحسابات الدولية.

ومنذ بداية القرن الحالي، زادت الصين حضورها في هذه المنطقة بشكل واضح. وقد استفادت حكومات الجزر من العروض الصينية في مجالات الاستثمار والبنية التحتية. كما رأت أن بناء علاقات مع بكين يمنحها أوراق تفاوض قوية مع شركاء آخرين.

ولكن، رغم ذلك، سعت هذه الدول أيضا للحفاظ على استقلالها. كما حاولت حماية رؤيتها لمنطقة مستقرة وسلمية. وهي رؤية تُعرف باسم “المحيط الهادي الأزرق”. لكن مع ازدياد الضغوط الصينية وتراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، أصبحت هذه الرؤية مهددة.


الولايات المتحدة… إدراك متأخر وخطوات مرتبكة

خلال إدارة ترامب الأولى ثم إدارة بايدن، أدركت واشنطن أن توسع الصين غير مراقَب. وأن هذا التوسع قد يغيّر بنية المنطقة. كما يمكن أن يحرم تايوان من حلفاء دبلوماسيين. وقد يؤدي أيضا إلى تعقيد أي ردع غربي.

ولذلك عادت الولايات المتحدة لمحاولة ترميم وجودها في المنطقة. فأعلنت إستراتيجية جديدة للشراكة مع دول المحيط الهادي. وتعهدت بتقديم مليار دولار خلال عشر سنوات.
ولكن، في المقابل، اتخذت إدارة ترامب الثانية خطوات اعتبرتها دول الجزر غير منصفة. إذ أغلقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مكتبها الإقليمي في فيجي. وهذا المكتب كان يشرف على معظم برامج الجزر. كما جمدت الإدارة ملايين الدولارات من المساعدات.

وقد حاولت أستراليا سد الفجوة. فخصصت 77 مليون دولار لدعم دول المحيط. ومع ذلك، لم يكن هذا الدعم كافيا لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد.


رسوم جمركية وغياب تام لقضية المناخ

فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية بين 10% و15% على صادرات دول مثل فيجي وناورو وفانواتو. وقد رأى سكان الجزر أن هذا الإجراء يُضعف اقتصادهم. كما أن تجاهل الإدارة الأميركية لقضية تغيّر المناخ خلق فجوة كبيرة.
وتعتبر هذه الدول المناخ تهديدا وجوديا. خاصة الدول المنخفضة مثل كيريباتي وتوفالو وجزر مارشال. ومع ذلك، حاولت الجزر تجنب الاصطفاف بين بكين وواشنطن.


منتدى جزر المحيط الهادي… قرارات حاسمة وتوتر متصاعد

خلال اجتماع المنتدى السنوي في سبتمبر، اتخذت جزر سليمان قرارا تاريخيا. إذ منعت مشاركة أي أطراف أجنبية. وكان الهدف المباشر هو تجنب الجدل حول حضور تايوان. لكن الهدف الأوسع كان أكثر وضوحا.
فقد أرادت الجزر تجنب استخدام المنتدى كساحة صراع بين الصين والولايات المتحدة.

وقد أعلن المنتدى قواعد جديدة تنظم تعامل الجزر مع القوى الكبرى. كما أعلن أنه يسعى لمنطقة خالية من العسكرة والإكراه الخارجي.
لكن تطبيق هذه المبادئ يحتاج إلى دعم أميركي وغربي أكبر بكثير.


بين الصين الصاعدة وإرث القوى الاستعمارية القديمة

في أواخر القرن العشرين، كانت دول جزر المحيط تعتمد على القوى الاستعمارية التي حكمتها سابقا. ولكن مع حصول هذه الدول على الاستقلال، أسست نظاما إقليميا مستقلا عبر منتدى جزر المحيط الهادي.
ومع نهاية الحرب الباردة، تراجع اهتمام الغرب بهذه الجزر. إذ انخفضت المساعدات. وأصبح الحضور الدبلوماسي ضعيفا.
وفي هذا الفراغ تحركت الصين بقوة.

وقد بدأت بكين أولى خطواتها في المنطقة بزيارة رئيس الوزراء ون جيا باو إلى فيجي عام 2006. ثم تعزز هذا التوجه بزيارتي الرئيس شي جين بينغ عامي 2014 و2018.

وحاولت الصين عام 2022 جمع 10 دول في إطار أمني واقتصادي. لكنه فشل بسبب غياب التوافق. ومع ذلك، استمرت بكين في توقيع نحو 50 اتفاقية ثنائية غطت مجالات عدة. مثل المناخ. والثقافة. والتعليم. والتجارة. والاستثمار.
كما توسعت في رسم الخرائط البحرية والتعدين في أعماق البحار.


فوائد اقتصادية ولكن… أجندة عسكرية واضحة

رغم أن مشاريع الصين تبدو مفيدة للجزر، فإن لها أهدافا عسكرية واضحة. إذ تهدف بكين إلى أن تصبح قوة بحرية قادرة على العمل بحرية في غرب المحيط الهادي.
وتريد إبعاد الولايات المتحدة عن المنطقة. كما تحاول السيطرة على نقاط رئيسية تسمح لها بتوسيع نفوذها.

ولتنفيذ ذلك، تحتاج الصين إلى موانئ ومدارج طيران. ولكنها تتجنب إقامة قواعد مباشرة لأنها قد تثير ردود فعل غربية قوية.
ولذلك تلجأ إلى بناء بنية تحتية مزدوجة الاستخدام. مثل الموانئ التي يمكن تحويلها لاحقا لعمليات عسكرية.


سلاسل الجزر… قلب الإستراتيجية العسكرية العالمية

تتحدث الدراسات الغربية عن ثلاث سلاسل جزر تعتبر خطوط دفاعية. وتراها الصين قيودا تريد كسرها.

السلسلة الأولى:

تمتد من كوريل شمالا وصولا إلى الفلبين وجزيرة بورنيو.
وتسعى الصين للسيطرة على بحر الصين الجنوبي ضمن هذه السلسلة.

السلسلة الثانية:

وتشمل ميكرونيزيا وملانيزيا وجزر المحيط الهادي الوسطى.
وتضم غوام التي تُعد مركز الردع الأميركي.

السلسلة الثالثة:

تشمل هاواي ومناطق بعيدة مثل جزر لاين في كيريباتي.

وقد طورت الصين صواريخ باليستية قادرة على ضرب غوام. كما كشفت عن صواريخ فرط صوتية قادرة على “اختراق” السلاسل. وهذا التطور جعل الجزر تخشى أن تتحول إلى أهداف محتملة.


حرب نفوذ على الدبلوماسية والاعترافات

منذ 2019، غيّرت دول كيريباتي وناورو وجزر سليمان اعترافها من تايوان إلى الصين. وأصبحت فقط ثلاث دول تحتفظ بعلاقات مع تايوان. وهي جزر مارشال وبالاو وتوفالو.
وتعتبر بكين أن إخراج تايوان من هذه المنطقة جزء من إستراتيجيتها للسيطرة على خطوط الملاحة.


الأساليب الرمادية… قوة بلا حرب

اعتمدت الصين أساليب “المنطقة الرمادية”. وهي تحركات غير قتالية لكنها مؤثرة. مثل إرسال سفن بحث إلى ميكرونيزيا. أو توسيع نشاط قواتها البحرية.
وقد زارت مدمرات صينية فانواتو وتونغا عام 2024. كما أجرت اختبارات صاروخية قرب أستراليا.


تصاعد المخاوف… ومخاطر الصراع

يخشى قادة الجزر من أن يؤدي صدام بين الصين وتايوان إلى جرهم إلى ساحة الحرب. وقد تشمل السيناريوهات ضرب قواعد. أو تعطيل كابلات بحرية. أو قطع خطوط الإمداد.
وإذا تزامن ذلك مع كارثة طبيعية، ستكون النتائج كارثية.


نفوذ صيني متزايد في الأمن الداخلي

تعمل وزارة الأمن العام الصينية الآن مع شرطة فيجي وكيريباتي وجزر سليمان. كما يقدم جيش التحرير الصيني تدريبات لدول أخرى.
وسجل خفر السواحل الصيني 26 سفينة في لجنة مصائد الأسماك. وهذا يمنح بكين دورا قياديا في أمن المحيط.

ويخشى حقوقيون من استخدام الصين هذا النفوذ لنشر النماذج الاستبدادية.


صراع ممتد بلا نهاية واضحة

تتقدم الصين في الدبلوماسية والأمن والاقتصاد. وتنافس الولايات المتحدة وأستراليا بشكل مباشر.
وتبدو الجزر ساحة للصراع بدل أن تكون شريكا مستقلا.
ومع ذلك، لا تزال معظم هذه الدول تبحث عن توازن دقيق بين القوى الكبرى.

وفي النهاية، يظل الصراع بين الصين وأميركا عنوانا لطريق طويل في المحيط الهادي. وهو صراع قد يحدد مستقبل المنطقة. وقد يمتد لعقود طويلة.

اقرأ كذلك: حاكم تكساس يشن حرباً على الشريعة الإسلامية ويحول الخوف إلى سياسة ممنهجة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك يجب ايقاف مانع الاعلانات