القاتل الآلي الجديد: سر دبابة المستقبل الأميركية “إم1 إيه3”
كيف تغيّر أميركا مفهوم الدبابات في عصر المسيّرات والذكاء التقني؟
شهدت الولايات المتحدة خلال الشهور الأخيرة سباقًا تقنيًا متسارعًا بهدف تطوير دبابة المعارك الرئيسية الجديدة “إم1 إيه3 أبرامز”. ويأتي هذا التسريع استجابة لتغير جوهري في طريقة إدارة الحروب الحديثة. إذ تعتمد المعارك اليوم على أسراب المسيّرات. وتعتمد أيضًا على الضربات الدقيقة. وتستند إلى التكامل السيبراني. بالإضافة إلى دور الذكاء الصناعي في توجيه القتال. ولذلك أصبح من الضروري إعادة النظر في تصميم الدبابات الأميركية. لأن ساحات القتال الحديثة تغيّر قواعد اللعبة بسرعة كبيرة. ولأن منافسين كبارًا مثل الصين وروسيا يطوّرون دبابات جديدة تعتمد على الأتمتة. وبالتالي لا تريد واشنطن خسارة السباق.
وقد سار الجيش الأميركي سابقًا بخطى بطيئة نحو تطوير النسخة الجديدة من دبابته الشهيرة. لكن الظروف العسكرية فرضت تغييرًا جذريًا. فبدأ الجيش يتحرك بسرعة غير مسبوقة. وقد ظهر هذا التغيير عندما أعلن الأميركيون إلغاء خطط تطوير النسخة القديمة “إم1 إيه2” لصالح تصميم كامل جديد. وكان ذلك في عام 2023. ومنذ تلك اللحظة انطلقت المرحلة الأولى من تصنيع “إم1 إيه3” التي أصبحت تُعرف داخل الأوساط العسكرية باسم “القاتل الآلي الجديد”. وقد أصبح هذا المصطلح جزءًا من النقاشات العسكرية حول مستقبل القوة البرية الأميركية.
كانت التقديرات السابقة تشير إلى أن عملية التطوير تحتاج سبع سنوات. لكن الجيش قرر تقليل مدة الانتظار. وقرر أيضًا تقديم النموذج الأولي قبل نهاية هذا العام. ولذلك ستبدأ الاختبارات الميدانية عام 2026. ومن المتوقع إطلاق إنتاج محدود بين 2027 و2028. وهذا يعني أن ظهور الدبابة في الميدان سيكون أسرع من المخطط السابق بعامين أو ثلاثة. ويكشف هذا التسريع حجم التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في ساحة المنافسة العالمية. إذ تحاول القوى العسكرية الكبرى تطوير نماذج جديدة. ولذلك تريد واشنطن الحفاظ على تفوّقها التقليدي.
ويهدف هذا التطوير إلى تزويد الجيش الأميركي بدبابة تلائم واقع الحروب الحديثة. إذ أصبحت المسيّرات تهديدًا مباشرًا للدبابات. وأصبحت الذخائر الموجهة تستهدف نقاط الضعف بسهولة. ولذلك لم يعد كافيًا إضافة المزيد من الدروع الثقيلة. فأصبح من الضروري بناء دبابة ذكية. لأن الذكاء التكتيكي أهم من الفولاذ السميك. ثم أصبح من الضروري أيضًا دمج الأنظمة الرقمية داخل الدبابة. لأن القتال الشبكي أصبح جزءًا من النظرية العسكرية الأميركية.
وقد كشفت حرب أوكرانيا أهمية الدبابات في المعارك البرية. لكنها كشفت أيضًا خطورة تهديدات المسيّرات. إذ استطاعت مسيّرات صغيرة تعطيل دبابات كثيرة. ولذلك ركزت واشنطن على ضرورة تعزيز الحماية. وركزت أيضًا على تحسين قدرة الدبابة على التواصل مع الأنظمة الجوية. لأن التعاون بين الآليات العسكرية أصبح جزءًا أساسيًا من التكتيكات الحديثة.
ومع هذا التحول الكبير. أصبحت “إم1 إيه3” مشروعًا رئيسيًا للجيش الأميركي. فهذه الدبابة ليست مجرد تطوير جديد. بل هي إعادة تعريف للدبابة الأميركية الشهيرة. وقد أرادت واشنطن تجاوز نموذج التطوير الجزئي. لذلك قررت تطوير تصميم جديد بالكامل. وقررت أيضًا الانتقال من فكرة “تحسين” النسخة القديمة إلى فكرة “بناء جيل جديد”. وهذا يعكس رؤية طويلة المدى تتوافق مع التغير المستمر في التكنولوجيا العسكرية.
عقد التطوير الجديد: بداية التحول الحقيقي
في شهر يونيو الماضي. أعلنت قيادة التعاقدات العسكرية الأميركية عن عقد بقيمة 150 مليون دولار مع شركة جنرال دايناميكس. وهي الشركة المسؤولة عن تصنيع دبابات أبرامز منذ عقود. ويهدف العقد إلى دمج التقنيات الحديثة داخل التصميم الجديد. كما يهدف أيضًا إلى إنهاء عصر التحسينات الجزئية. لأن الجيش يريد الانتقال إلى منظومة تكنولوجية متكاملة.
وقد ركز العقد على ثلاثة أهداف رئيسية.
• الهدف الأول تطوير نظام دفع جديد.
• الهدف الثاني تقليل الوزن.
• الهدف الثالث تعزيز الأنظمة الرقمية.
وتُعد هذه الأهداف أساس تصميم الجيل الجديد من الدبابات الأميركية. ولذلك يشير خبراء الدفاع إلى أن الدبابة الجديدة لن تكون نسخة معدلة. بل ستكون منصة قتالية مختلفة تمامًا.
نظام الدفع الهجين: ثورة حقيقية في عالم الدبابات
يعتمد تصميم “إم1 إيه3” على نظام دفع هجين يجمع بين الديزل والكهرباء. وهذا يمثل تحولًا كبيرًا عن المحرك القديم الذي كان يشبه محرك طائرة نفاثة صغيرة. وقد كان المحرك القديم سريعًا لكنه يستهلك الكثير من الوقود. ولذلك كان عبئًا لوجستيًا كبيرًا. بينما يوفّر النظام الهجين الجديد كفاءة أعلى بنسبة 40%. وتسمح هذه الزيادة بمدى أطول. وتسمح أيضًا بتقليل الإمدادات اللوجستية. ولذلك تصبح الدبابة أكثر قدرة على القتال لمسافات أطول.
كما يسهل صيانة محرك الديزل. إذ تتوفر قطع الغيار في أغلب مناطق العمليات. وهذا يجعل الدبابة أكثر ملاءمة للانتشار العالمي. ثم يمنح النظام الهجين أيضًا قدرة أفضل على إدارة الطاقة. لأن الأنظمة الرقمية تحتاج طاقة مستقرة. ولذلك يوفّر المحرك الهجين بنية كهربائية مناسبة للأنظمة المتقدمة.
تقليل الوزن: خطوة ضرورية لمواجهة تهديدات العصر
يبلغ وزن النسخة الجديدة نحو 60 طنًا. أي أقل بنحو 7 أطنان من النسخة الحالية. وهذا التخفيض ليس مجرد رقم. بل هو عنصر مهم في تحسين حركة الدبابة. لأن الوزن الخفيف يمنحها قدرة أفضل على عبور الجسور. ويساعدها في التحرك على التضاريس اللينة. كما يقلل بصمتها الحرارية. وبالتالي تصبح أصعب اكتشافًا عبر أنظمة الاستشعار الحديثة.
وقد أثبتت حرب أوكرانيا أن الوزن الزائد يجعل الدبابات أهدافًا سهلة. لأن الدروع الثقيلة لم تعد كافية أمام الهجمات الدقيقة. لذلك أصبحت الحركة السريعة عنصرًا أساسيًا. وأصبحت القدرة على المناورة أهم من زيادة سماكة الدروع.
الطاقم الجديد: ثلاثة أفراد فقط بدل أربعة
تعمل النسخة الحالية بوجود أربعة أفراد. لكن النسخة الجديدة ستعمل بثلاثة فقط. فقد اختفى دور الملقّم البشري. وتم استبداله بنظام تلقيم آلي. يعمل النظام عبر ذراع آلية تنقل القذائف. وتضعها في حجرة الإطلاق. وهذا يقلل من الحاجة إلى تدخل بشري. ويمنح الدبابة قدرة أعلى على إطلاق النار بسرعة ثابتة.
ويعتمد عدد من الجيوش الأخرى على هذا التغيير. إذ تستخدم الدبابة الروسية “تي-14 أرماتا” نظامًا مشابهًا. وتعتمد أيضًا على برج غير مأهول. وقد أثبت هذا النظام كفاءة كبيرة في تقليل الخطر على أفراد الطاقم.
منظومات الحماية النشطة: مستقبل بقاء الدبابات
أصبح مفهوم الحماية النشطة جزءًا أساسيًا في تصميم “إم1 إيه3”. وتعتمد هذه الأنظمة على اكتشاف التهديد. ثم اعتراضه قبل الوصول للدبابة. وقد سبق للجيش الأميركي اختبار منظومة “تروفي”. وتعمل الولايات المتحدة على دمج نسخة مطورة منها. مع إضافة قدرات جديدة على مواجهة المسيّرات السريعة.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن الدروع التقليدية لم تعد كافية. لأن الهجمات من الأعلى أصبحت التهديد الأخطر. ولذلك تركز الدبابة الجديدة على حماية الكبائن الداخلية. وتعتمد على تحليل المسار وتوقع الهجمة. وهذا يرفع مستوى الأمان للطاقم.
القتال الشبكي: سر التفوق الأميركي في الجيل الجديد
تعتمد “إم1 إيه3” على بنية رقمية معيارية تشبه الهواتف الذكية الحديثة. إذ تسمح هذه البنية بتحديث الأنظمة بسرعة. وتسمح أيضًا بتركيب أجهزة جديدة. ويمكن أيضًا إصلاح الأعطال عبر تغيير جزء محدد. دون الحاجة إلى تعديل كامل النظام.
ويعتمد الجيش الأميركي على مفهوم “الجيش المتصل”. إذ ترتبط الدبابة بالطائرات المسيّرة. وترتبط أيضًا بالدبابات الأخرى. بالإضافة إلى قدرتها على تبادل المعلومات مع أنظمة المدفعية. وهذا يخلق صورة قتالية موحدة. ويجعل ساحة المعركة أكثر وضوحًا.
وقد أثبتت التجارب أن الدبابات التي تعمل ضمن شبكة متصلة تحقق أداء أفضل. لأن القائد يحصل على معلومات دقيقة. ويمكنه اتخاذ القرار بسرعة. وهذا يعطي أفضلية واضحة للجيش الأميركي.
دروس حرب أوكرانيا: لماذا تغيّر أميركا تصميم الدبابات؟
غيّرت حرب أوكرانيا كثيرًا من المفاهيم العسكرية. إذ أثبتت أن الدبابات ما تزال عنصرًا مهمًا. لكنها كشفت أيضًا نقاط ضعف خطيرة. فقد استهدفت المسيّرات الروسية والأوكرانية الدبابات من الأعلى. واستطاعت اختراق أماكن ضعيفة. ولذلك أدركت الجيوش أن الحماية التقليدية لم تعد كافية.
وقد قال المحلل مايكل كوفمان إن الدبابة ما تزال توفر توازنًا بين القوة النارية والحماية. لكنه أكد أن البيئة الحديثة تتطلب حماية جديدة. لذلك أصبحت الحماية النشطة ضرورة. كما أشار خبراء بريطانيون إلى أهمية التشويش الإلكتروني. وأكدوا ضرورة مرافقة كل دبابة بطائرة مسيّرة.
المنافسون: روسيا والصين يدخلان السباق نفسه
لا تعمل أميركا في فراغ. إذ تقوم موسكو وبكين بتطوير دبابات جديدة أيضًا.
الدبابة الروسية “تي-14 أرماتا”
• ظهرت عام 2015
• تعتمد على برج غير مأهول
• تعمل بكبسولة محمية للطاقم
• مزودة بمنظومة حماية نشطة
لكن المشروع يعاني من ضعف الإنتاج. إذ لم تنتج روسيا سوى عشرات قليلة. كما أن استخدامها في أوكرانيا كان محدودًا.
الدبابة الصينية “طراز-99”
• دبابة تقليدية متطورة
• تعتمد على مدفع 125 ملم
• لكنها لا تمتلك منظومة حماية نشطة كاملة
ثم ظهرت النسخة الجديدة “طراز-100” بقدرات مسيّرة ورصد متقدم. وهذا يشير إلى توجه الصين نحو تعزيز الرقمنة. لكن واشنطن ما تزال تمتلك تفوقًا تقنيًا ملحوظًا.
الخلاصة: “إم1 إيه3” ليست دبابة فقط.. بل منظومة قتالية كاملة
يعتقد الخبراء أن دبابة إم1 إيه3 أبرامز ليست مجرد تطوير جديد. بل هي نقطة تحول في مفهوم الدبابات الأميركية. إذ تجمع بين:
• الحركة العالية
• الوزن الأخف
• الأنظمة الرقمية المتصلة
• الحماية النشطة
• القدرة على التعاون مع المسيّرات
• الطاقة الهجينة
• الطاقم الأقل عددًا
وبالتالي تتحول الدبابة من آلة ضخمة ثقيلة إلى مقاتل ذكي يعمل داخل شبكة متكاملة. وهذا يعكس المستقبل المتوقع للحروب البرية. كما يعكس فهمًا دقيقًا للدروس المستفادة من الحروب الحديثة.
اقرأ كذلك: مدرعة تركية من طراز “يوروك” تجهز للمشاركة في مشروع أمني في نيجيريا




